الأحد 08 ذو الحجة 1439 - 03:22 بتوقيت مكة المكرمة الموافق 19-8-2018
(يونا)
مكة المكرمة (يونا) – بالحج لا بغيره يعوض المكلومون آلامهم ويدارون شيئاً غير قليل من خيبات الفقد وأوجاع الحرمان. ولهذه الغاية لا لغيرها استضاف برنامج ضيوف خادم الحرمين الشريفين للحج والعمرة هذا العام مجموعة كبيرة من أسر الشهداء في فلسطين، ومصر، واليمن، ممن طالت ذويهم نكبات الاحتلال الإسرائيلي الغاشم، وإرهاب التنظيمات المتطرفة.
اتحاد وكالات أنباء دول منظمة التعاون الإسلامي (يونا) زار المقرات المتناثرة في مكة المكرمة لأسر الشهداء، ليسمع ويرى عن كثب كيف يبدل الحج أتراحهم أفراحاً، وينقلهم من حالة الإحباط إلى حالة الامتنان، لأن هذا الفقد وإن كان مصاباً جللاً، إلا أنه في المبدأ شهادة في سبيل الحق ومدافعة الجور، وفي المآل شعلة الأمل التي أفضت إلى قضاء فريضة العمر.
الحاج الفلسطيني أكرم محمد أبو خليل من قرية "عين سينيا" برام الله فقد طفله عدياً (15 عاماً) حين اغتالته آلة البطش الإسرائيلية خلال مواجهات العودة في مايو الماضي.
عدي كما يروي الحاج أكرم، انشغل منذ بدء مسيرات العودة في نهاية مارس الماضي بمتابعتها عبر التلفاز، والتفاعل مع أحداثها، ومع تقدم المواجهات واستمرار القتل في صفوف الفلسطينيين، ثم استشهاد رفيقيه فارس البايض، ومحمد الحطَّاب، أحس عدي بأن بقاءه خلف الشاشة خذلان لرفاقه في الميدان، فاستأذن والده في الخروج مظهراً الرغبة في تمضية الوقت مع أصحابه، ومبيتاً نية اللحاق بالمتظاهرين.
يقول أبو عدي: كنت في قرارة نفسي أعلم بأنه ذاهب إلى المواجهات، ولهذا امتنعت عن إعطائه المصروف أملاً في منعه.. كنت أؤمن بنبل القضية التي يدافع عنها، لكن عاطفة الأبوة غلبتني، فأردت الإبقاء عليه مؤثراً حياته على كل شيء، لكن هذا لم يجدِ معه، فقد استعان برفاقه الذين مكَّنوه من الوصول إلى المسيرات.
في صباح 23 مايو 2018 وصل عدي مع أصحابه إلى منطقة "البيرة" برام الله قرب مستوطنة "بيت إيل" حيث تجري المواجهات على أشدها بين المتظاهرين الفلسطينيين وقوات الاحتلال الإسرائيلي، وقد قالوا لأبي عدي فيما بعد: إن عدياً كان يهاجم المحتلين بفدائية، كأنه المسلَّح وهم العزَّل، كان يرميهم بصدره وروحه قبل الحجارة، وأمام بسالته عاجله جنود الاحتلال برصاصتين من نوع الفراش المحظور دولياً.
هذه الرصاصة التي يعرفها الفلسطينيون أكثر من غيرهم، لا تكتفي باختراق جسد المستهدَف، بل توغل فيه بعد اختراقه إيغال مستوطنة يهودية في أرضٍ فلسطينية.. مزقت الرصاصتان شرايين عدي في المعدة، وتحت القلب، وبعدها نقل إلى المستشفى لكن قضاء الله كان أسرع.
يقول أبو عدي: حين تلقيت نبأ استشهاد ابني ثبتني الله وألهمني الصبر فسجدت سجدة الشكر لأن الله اصطفاه واختاره شهيداً كما أحتسبه، ولهذا منعت المعزيات في يوم الجنازة من الصراخ والعويل، فالشهادة شرف، وحق الشهيد أن يشيع بالفرحة لا بالنواح.
أما والدة عدي فقد انهارت وظللها الحزن، ولم ينقذها من حالة اليأس إلا الحج فبعد ترشيح الأسرة لبرنامج خادم الحرمين، وقدومها إلى مكة، والحفاوة التي قوبلت بها، يقول أبو عدي: لاحظت تغيراً كبيراً في حالة أم عدي، حيث تحسنت نفسيتها وبدأت تفكر بأن الحج كرامة من الله بفضل استشهاد ابنها، وتحمد الله على قضائه.
وأبدى أبو عدي امتنانه لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز على الحفاوة التي يحظى بها الحجاج عموما، والحجاج الفلسطينيون على وجه الخصوص، وعلى التسهيلات الكبيرة التي تقدم لهم لأداء المناسك بيسر، مؤكداً أن ما وجدوه من ترحيب ورعاية هو خير ما يدعمهم ويدعم قضيتهم العادلة في سبيل تحرير القدس والأراضي الفلسطينية.  
بدورها لم تستطع الحاجة الفلسطينية أديبة عنابة (أم هاشم) من غزة إخفاء فرحتها بالحج بعد 16 عاماً من الأحزان قضتها منذ وفاة زوجها في قصف جوي إسرائيلي عام 2002.
كان ربحي البيطار زوج الحاجة أديبة، شرطياً في قطاع غزة حين راح ضحية لقصف إسرائيلي، ليترك الحاجة أم هاشم مع خمسة أطفال، منهم اثنان معاقان.
تقول أم هاشم: بعد رحيل زوجي أصبحت "زلَمَة ومرة" في الوقت نفسه، أقوم بمهام الأب ومهام الأم معاً لإعالة الأسرة وتوفير مصاريف العلاج، ومصاريف الدراسة، والحمد لله بعد كل هذه السنوات أكمل ثلاثة من أبنائي الدراسة وتخرجوا هذا العام، كما تم ترشيحي أخيراً لبرنامج خادم الحرمين للحج، ليسقط عن كاهلي كثير من الأعباء التي حملتها طيلة السنوات الماضية.
الحاجة أم هاشم التي تؤدي الفريضة للمرة الأولى، تؤكد أنه لولا توفيق الله، ثم برنامج خادم الحرمين لما استطاعت أداءها، ولاحتاجت إلى 20 سنة أخرى لتوفير مصاريف رحلة الحج، في ظل ظروفها المادية الصعبة.
شهداء إرهاب التطرف
وفي أسر الشهداء المصريين لا يختلف الحال كثيراً فمن إرهاب الاحتلال الإسرائيلي إلى إرهاب التنظيمات المتطرفة، يأتي الحج لتخفيف معاناة المكلومين في ذويهم.
الحاج المصري رشدي عبدالشافي حسن من محافظة بني سويف فقد ابنه محمداً (20 عاماً) في تفجير إرهابي بالقاهرة أواخر يناير 2014.
محمد كما يروي الحاج رشدي، كان في مهمة لمدة شهر في مديرية أمن القاهرة، وقبل أن ينتهي الشهر اغتالته ورفيقه قنبلة زرعتها التنظيمات الإرهابية على مدخل المديرية.
كان الحاج رشدي وقتها في الأردن، حيث كان يعمل في مزرعة بمنطقة "أبو سيدو" التابعة لمحافظة إربد، فبعد التحاق ابنه بالشرطة صار ينوب عنه في إعالة الأسرة، والقيام بأمرها، لكن بعد وفاته لم يجد رشدي بداً من مغادرة الأردن والعودة لأسرته لتسيير شؤونها.
استشهاد محمد أوقع الحاج رشدي في حزن واضطراب كبيرين، لكنه يرى أن الحج والحفاوة التي وجدها في المملكة خففت عنه كثيراً، وسلَّته عن مصابه.
أما الحاج عيون مصري سيد إبراهيم، من محافظة المنيا، فقد أصيب ابنه فيصل (24 سنة) في عمل إرهابي عام 2016.
فيصل كان في مهمة ضمن القوات المسلحة المصرية في منطقة الشيخ زويَّد بصحراء سيناء لمكافحة الجماعات الإرهابية، حين قذفت دبابته بقنبلة أدت إلى إصابته وبتر قدمه.  
يقول الحاج عيون: بعد إصابة فيصل أشرفت القوات المسلحة على علاجه وركبت له قدم صناعية، وحالته الآن مستقرة وفي تحسن كبير، وبعد ترشيحه لبرنامج خادم الحرمين، آثر أن أحج بدلاً عنه، لأنه يعرف ماذا يعني الحج بالنسبة لي، ويعرف أن ظروفي لا تسمح لي بتحمل تكاليف أداء الفريضة، وهذا خفف عني كثيراً من المشاعر المحبطة التي أصابتني بعد استهدافه.
شهداء الإرهاب الحوثي
وتختلط فرحة الحج بذكريات الفقد عند الحجاج اليمنيين الذين أثخن الإرهاب الحوثي في ذويهم قتلاً وسجناً وتشويهاً.
الحاج اليمني صالح محمد عمر من محافظة البيضاء، راح أبناؤه الثلاثة فواز (25 عاماً) وعبدالله (20 عاماً) ونايف (16 عاماً) ضحية لعبوات ناسفة زرعها الحوثيون في طرقات البيضاء.
الحاج صالح يرى أن أداء الفريضة هو وحده ما يمكن أن يخفف عنه مصابه.
أما الحاجة اليمنية فندة عبدالله الخبزي من محافظة البيضاء أيضاً، فقد اغتال الحوثيون في 2015 زوجها سيف أحمد عامر الخبزي، وابنها عبدالعزيز.
سيف وابنه عبدالعزيز انضما منذ بداية النضال اليمني ضد ميليشيات الحوثي إلى صفوف المقاومة الشعبية في البيضاء، حيث أسهما بقوة في ردع الحوثيين والرباط ضدهم إلى أن استشهدا في مواجهات وقعت على أطراف المدينة.
فندة تعيش بعد وفاة زوجها مع ابن أخيها أحمد الذي يرافقها لأداء الفريضة، وهي تدعو الله أن يعجل بنهاية الإرهاب الحوثي الذي لا يكتفي باغتيال معارضيه وإنما يفجر أيضاً منازلهم، ويهدمها على أهلها.
وترى فندة أن قدومها للحج والرعاية التي وجدتها في المملكة، جعلها تسلو عن مصابها، وتؤكد أنها تشعر الآن بأنها في مأمن من إرهابهم وجورهم، ذلك لأن فرحة أداء الفريضة وهذا الشعور بخلاص الروح لا يستطيع الحوثيون ومن يمدهم بالسلاح سلبه منها، مهما حاولوا، ومهما غلوا في إرهابهم وإفسادهم.
(انتهى)
الزبير الأنصاري/ ح ص
جميع الحقوق © محفوظة لاتحاد وكالات أنباء دول منظمة التعاون الإسلامي