الخميس 01 ربيع الثاني 1441 - 15:40 بتوقيت مكة المكرمة الموافق 28-11-2019
(يونا)
الرباط (يونا) - أكد الكاتب المغربي عبدالقادر الإدريسي على الدور البالغ الأهمية الذي قامت به منظمة التعاون الإسلامي في تحقيق التضامن بين دول وشعوب العالم الإسلامي عبر نصف قرن من العمل المتواصل على كافة الأصعدة.
وتحدث الإدريسي حول احتفالية المغرب بمرور 50 عاماً على تأسيس المنظمة وقال في مقال له نشرته جريدة العلم المغربية أمس الأول: يحتفل المغرب بالذكرى الخمسين لتأسيس منظمة التعاون الإسلامي، في احتفالية تَـتَـلاَءَمُ وعظمة هذه المناسبة، تنظمها وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، تحت الرعاية السامية للملك محمد السادس. وهي ذكرى تعود بنا إلى الحدث الأكبر الذي دخل تاريخ المغرب، بعقد مؤتمر القمة الإسلامي الأول في الرباط خلال الفترة من 22 إلى 25 من سبتمبر عام 1969.
وإذا كان تأسيس منظمة التعاون الإسلامي (المؤتمر الإسلامي سابقاً) قد تم في جدة خلال الفترة من 29 من فبراير إلى 4 من مارس عام 1972، بالموافقة على ميثاق المنظمة الذي جاء في مادته الأولى (تؤسس الدول الأعضاء منظمة المؤتمر الإسلامي)، فإن القمة الإسلامية الأولى التي عقدت في بلادنا بدعوة من الملك الحسن الثاني وأخيه الملك فيصل بن عبد العزيز، رحمهما الله، على إثـر جريمة إحراق المسجد الأقصى المبارك، هي القاعدة الأساس التي انطلق منها العمل الإسلامي المشترك في إطار مؤتمر وزراء الخارجية الإسلامي الأول (جدة-مارس 1970) الذي تبنى إنشاء أمانة عامة للمنظمة، ومؤتمر وزراء الخارجية الثاني (كراتشي-ديسمبر 1970).
لقد انبثقت فكرة تأسيس منظمة التعاون الإسلامي من تأصيل مفهوم التضامن الإسلامي الذي جاء في المرتبة الأولى ضمن الأهداف والمبادئ التي وردت في ميثاق المنظمة بهذه العبارة (تعزيز التضامن الإسلامي بين الدول الأعضاء)، إلا أن تعديلاً ذا دلالة سياسية لافتة للانتباه طال هذه العبارة في الميثاق المعدل، فصارت هكذا (تعزيز ودعم أواصر الأخوة والتضامن بين الدول الأعضاء). والتضامن في هذا السياق، ذو دلالات عميقة ومعانٍ عويصة، وهو مفهوم دخل المجال السياسي على صعيد العالم الإسلامي، في العقد السادس من القرن العشرين، حينما كان الملك فيصل يعمل من أجل ترسيخ هذا المفهوم، وسط أجواء من المعارضة المستميتة من المعسكر العربي اليساري الذي كان يقف موقف الخصومة الجريئة حيال السياسة التي ترمي إلى لـمّ شمل العالم الإسلامي على أساس التضامن لمواجهة المخاطر التي تهدد الشعوب الإسلامية في حـريتها واستقلالها وسيادة دولها وكرامتها.  
ويتضمن ميثاق منظمة التعاون الإسلامي في صيغته المعدلة، التي تختلف إلى حد بعيد عن الصيغة الأولى التي اعتمدت في مؤتمر وزراء الخارجية الإسلامي عام 1972، الأهدافَ التالية: صون وحماية المصالح المشتركة، ومناصرة القضايا العادلة للدول الأعضاء، وتنسيق جهود الدول الأعضاء وتوحيدها بغية التصدي للتحديات التي تواجه العالم الإسلامي خاصة والمجتمع الدولي عامة، واحترام حق تقرير المصير وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأعضاء، واحترام سيادة واستقلال ووحدة أراضي كل دولة عضو، واستعادة السيادة الكاملة ووحدة أراضي أية دولة عضو خاضعة للاحتلال من جراء العدوان وذلك استناداً إلى القانون الدولي والتعاون مع المنظمات الدولة والإقليمية ذات الصلة، وضمان المشاركة الفاعلة للدول الأعضاء في عمليات اتخاذ القرارات على المستوى العالمي في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية لضمان مصالحها المشتركة، وتعزيز العلاقات بين الدول على أساس العدل والاحترام المتبادل وحسن الجوار لضمان السلم والأمن والوئام العام في العالم، وتأكيد دعمها لحقوق الشعوب المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي.
ويتضمن المياثق أهدافاً أخرى هي: دعم الشعب الفلسطيني وتمكينه من ممارسة حقه في تقرير المصير وإقامة دولته ذات السيادة وعاصمتها القدس الشريف، والحفاظ على الهوية التاريخية والإسلامية للقدس الشريف وعلى الأماكن المقدسة فيها، وتعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري الإسلامي بين الدول الأعضاء من أجل تحقيق التكامل الاقتصادي فيما بينها بما يفضي إلى إنشاء سوق إسلامية مشتركة، وبذل الجهود لتحقيق التنمية البشرية المستدامة والشاملة والرفاه الاقتصادي في الدول الأعضاء، ونشر وتعزيز وصون التعاليم والقيم الإسلامية القائمة على الوسطية والتسامح، وتعزيز الثقافة الإسلامية، والحفاظ على التراث الإسلامي، وحماية صورة الإسلام الحقيقية والدفاع عنها والتصدي لتشويه صورة الإسلام وتشجيع الحوار بين الحضارات والأديان، والرقي بالعلوم والتكنولوجيا وتطويرها، وتشجيع البحوث والتعاون بين الدول الأعضاء في هذه المجالات، وتعزيز حقوق الإنسان والحريات الأساسية وحمايتها، بما في ذلك حقوق المرأة والطفل والشباب والمسنين وذوي الاحتياجات الخاصة والحفاظ على قيم الأسرة الإسلامية، وتعزيز دور الأسرة وحمايتها وتنميتها باعتبارها الوحدة الطبيعية والجوهرية للمجتمع، وحماية حقوق الجماعات والمجتمعات المسلمة في الدول غير الأعضاء وصون كرامتها وهويتها الدينية والثقافية، وتعزيز موقف موحد من القضايا ذات الاهتمام المشترك والدفاع عنها في المنتديات الدولية، والتعاون في مجال مكافحة الإرهاب بجميع أشكاله ومظاهره والجريمة المنظمة والاتجار غير المشروع في المخدرات والفساد وغسيل الأموال والاتجار في البشر، والتعاون والتنسيق في حالات الطوارئ الإنسانية مثل الكوارث الطبيعية، وتعزيز التعاون بين الدول الأعضاء في المجالات الاجتماعية والثقافية والإعلامية.
وتعكس ديباجة ميثاق المنظمة الوعيَ الرشيدَ، الذي يجمع الدول الأعضاء، بضرورة استلهام القيم الإسلامية في العمل الإسلامي المشترك. فقد ورد في الفقرة الأولى من الديباجة (وإذ نسترشد بالقيم الإسلامية النبيلة، المتمثلة في الوحدة والإخاء، وإذ نؤكد أهمية تعزيز وتقوية أواصر الوحدة والتضامن بين الدول الأعضاء لتأمين مصالحها المشتركة على الساحة الدولية)، وجاء في الفقرة الثالثة ما يؤكد ما سبق في الفقرة الأولى (الحفاظ على القيم الإسلامية النبيلة المتمثلة في السلام والتراحم والتسامح والمساواة والعدل والكرامة الإنسانية، وتعزيزها). وتكرر في الفقرة الخامسة (تعزيز وتقوية الوحدة والتضامن بين الشعوب الإسلامية والدول الأعضاء). والقصدُ في هذا السياق هو الشعوبُ الإسلامية في غير الدول الأعضاء. والمفردات هنا دقيقة للغاية ذات معانٍ محددة وليست حاملة لأوجه، وذلك انسجاماً مع الصياغات القانونية، ما يتوافق مع الفقرة الثانية من الديباجة التي جاء فيها (إذ نلتزم بمبادئ ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي). فلم يرد في الميثاق (الدول الإسلامية)، ولا (الوحدة الإسلامية)، ولا (التضامن الإسلامي)، ما يَـتَـوَافَـقُ مع التعديل الذي أدخل على اسم المنظمة، فاستبدل (التعاون الإسلامي) بـ (المؤتمر الإسلامي). وفي قواعد اللغة العربية أن الباء تدخل على المتروك.
وجاءت الأهداف والمبادئ في ميثاق منظمة التعاون الإسلامي متطابقة ومتكاملة ومتداخلة ومنسجمة. وذلك على النحو التالي: وتتعهد الدول الأعضاء، من أجل تحقيق الأهداف الواردة في المادة الأولى (من الميثاق)، بأن تسترشد وتستنير بالتعاليم والقيم الإسلامية السمحة وأن تتصرف طبقاً للمبادئ التالية: جميع الدول الأعضاء ملتزمة بمقاصد ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة، والدول الأعضاء دول ذات سيادة ومستقلة وتتساوى في الحقوق والواجبات، وتقوم جميع الدول الأعضاء بحل نزاعاتها بالطرق السلمية، وتمتنع عن استخدام القوة أو التهديد باستخدامها في علاقاتها، وتتعهد جميع الدول الأعضاء باحترام السيادة الوطنية والاستقلال ووحدة الأراضي لكل منها، وبعدم التدخل في الشؤون الداخلية للآخرين، وتتعهد جميع الدول الأعضاء بأن تساهم في صون السلم والأمن الدوليين والامتناع عن التدخل في الشؤون الداخلية لبعضها البعض، وذلك وفقاً لهذا الميثاق وميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، وكما جاء في ميثاق الأمم المتحدة، ليس في هذا الميثاق ما يسوغ للمنظمة وأجهزتها أن تتدخل في الشؤون التي تكون من صميم السلطان الداخلي لدولة ما أو ذات الصلة بها، وتعزز الدول الأعضاء وتساند، على الصعيدين الوطني والدولي، الحكمَ الرشيدَ والديمقراطية وحقوقَ الإنسان والحريات الأساسية وسيادة القانون، وتسعى الدول الأعضاء إلى حماية البيئة والمحافظة عليها.
الجدير بالذكر أن المبدأ السابع من هذه المبادئ، يعـدّ تطوراً لافتاً في العمل الإسلامي المشترك على صعيد دول العالم الإسلامي، غير معهود في الأدبيات السابقة لمنظمة التعاون الإسلامي، ويتمثل ذلك في تعهد الدول الأعضاء بتعزيز ومساندة، على الصعيدين الوطني والدولي، الحكم الرشيد (الحكامة)، والديمقراطية، وحقوق الإنسان والحريات الأساسية، وسيادة القانون. وهي المبادئ الحقوقية والقانونية التي تقوم على أساسها الدول الحديثة، الأمر الذي يدل دلالة وافية، على أن ميثاق منظمة التعاون الإسلامي قد انتقل من (طور الأدبيات المثالية الإنشائية)، كما كان الشأن في الصيغة الأولى للميثاق، إلى (طور الصياغات الحقوقية والقانونية والواقعية المعتمدة في القوانين الدولية). وتلك من المنظور السياسي، (نقلةٌ نوعية) بالمعايير الدستورية. فهل يَـتَـوَافَـقُ العمل الإسلامي المشترك مع هذه المبادئ؟ وهل تترجم منظمة التعاون الإسلامي هذه المبادئ إلى ممارسات عملية على الصعيدين الإسلامي والدولي؟ وهل حضور العالم الإسلامي في الساحة الدولية ينطلق من هذه المبادئ ويعكسها ويعبّر عنها؟ وهل جميع الدول الأعضاء (57 دولة) في منظمة التعاون الإسلامي تلتزم ـ عمليا وواقعياً وعلى المستويات جميعاً ـ بهذه الأهداف النبيلة والمبادئ السامية؟
ولكن واقع الحال الذي لا يرتفع، والذي لا يخفى معه شيء، يثبت أن بعض الدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي، لا تلتزم بالمبادئ التي سطرها الميثاق، منها على وجه الخصوص، مبدأ (احترام السيادة الوطنية والاستقلال ووحدة الأراضي لكل دولة عضو، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للآخرين).
تأتي الجمهورية الإسلامية الإيرانية في مقدمة الدول التي تَـتَـعَارَضُ سياستها الخارجية، التي تسلكها في المنطقة، مع مبادئ منظمة التعاون الإسلامي. وقد دانت مؤتمرات القمة الإسلامية، ومجالس وزراء الخارجية لدول منظمة التعاون الإسلامي، في مرات كثيرة، هذه السياسة التخريبية المتنافية مع القانون الدولي، والتي لا تليق بدولة عضو من الدول المؤسسة للمنظمة. وتلك إحدى الأزمات التي يعاني منها العمل الإسلامي المشترك فتجعله مشتتاً وممزقاً وعديم الجدوى وفاقداً للفعالية وللقدرة على معالجة القضايا التي لها صلة بالمصالح الحيوية المشتركة بين الدول الأعضاء في المنظمة.
فعلى الرغم من مضي نصف قرن على تأسيس منظمة التعاون الإسلامي، فإن حضور المجموعة الإسلامية في الساحة الدولية، لا يزال دون طموحات الشعوب الإسلامية من جوانب عدة، ولا يلبي احتياجات العالم الإسلامي في المجالات الحيوية جميعاً. ما يجعل العمل الإسلامي المشترك، عبر قنواته المعتمدة، لا تأثير فعلياً له في خضم المعترك الدولي، بالقدر الذي يحمي المصالح العليا للدول الأعضاء، ويحفظ حقوقها، ويصون استقلالها وسيادتها، ويساهم مع الأسرة الدولية في حفظ الأمن والسلم الدوليين.
إنّ قوة منظمة التعاون الإسلامي في تضامن الدول الأعضاء، وفي توافقها حول القضايا المصيرية التي لها صلة وثيقة بالتقدم والنهوض والتنمية الشاملة المستدامة في الحاضر وفي المستقبل. ولعل الإطار القانوني الذي يحكم العمل الإسلامي المشترك، وهو ميثاق منظمة التعاون الإسلامي، هو الصيغة المناسبة للنهوض بالعالم الإسلامي حضارياً، ولحماية المصالح المشتركة، ولتحقيق الأهداف الجامعة، ولمواجهة المشاكل ورفع التحديات التي لا يزيدها تمـزق الصف وتشتت الموقف إلا تفاقمـاً. فتلك هي معالم الطريق نحو تحقيق أهداف منظمة التعاون الإسلامي وتطبيق مبادئها، من أجل أن تكون للعالم الإسلامي مكانة مرموقة تحت الشمس.
((انتهى))
ح ع/ ح ص
جميع الحقوق © محفوظة لاتحاد وكالات أنباء دول منظمة التعاون الإسلامي