الخميس 01 ربيع الثاني 1441 - 16:14 بتوقيت مكة المكرمة الموافق 28-11-2019
(يونا)
جدة (يونا) – الحوار المتجدد بين الشرق والغرب، يدفعه السلام تارة، ويطوح به العنف تاراتٍ أُخَرَ. هو النافذة التي أرادت "جائزة الملك فيصل" أنْ تُطِلَّ منها على احتفالات اليوبيل الذهبي لمنظمة التعاون الإسلامي، وكأنَّها تلامس بذلك حاجة المنظمة إلى تعزيز الحوار مع الآخر، من خلال تقديم أنموذجٍ لهذا الحوار في جوانبه القائمة على التفاهم، وتغليب المشتركات الإنسانية.
ولتحقيق ذلك، قدمت الجائزة في جناحها ضمن المعرض المصاحب للاحتفالات، جانباً من مشروعها "100 كتاب وكتاب" الذي أطلقته بالتعاون مع معهد العالم العربي بباريس، في محورين كبيرين، أحدهما موجه إلى القارئ بالعربية، ويقدم العلماء والدارسين الفرنسيين الذين أسهموا في التواصل بين الثقافتين الفرنسية والعربية. والآخر موجه إلى القارئ بالفرنسية، ويقدم العلماء والدارسين العرب الذين وصلوا بين الثقافتين العربية والفرنسية.
صدر ضمن القسم العربي حتى الآن عشرة كتب، يُعرِّف كُلُّ واحد منها بمستشرق فرنسي  بارزٍ، ممن لعبوا دوراً مهماً في تقديم صورة أصيلة عن الثقافة العربية إلى العالم الغربي.
ألفونس إتيان دينيه (1861-1929م).. "الفن" مدخلاً إلى "الإسلام"
يعد اعتناق الإسلام، بمثابة التماهي المطلق مع الثقافة العربية، حين ينتقل التفاعل معها من التمثُّل النظري والتجريدي، إلى تبنيها سلوكاً وممارسة، وهي النتيجة التي خلُص إليها الروائي والرسام الفرنسي ألفونس إتيان دينيه، بعد سنوات طويلة من استكشاف الشرق.
وبحسب الإصدار الخاص بألفونس الذي أعده أستاذ الأدب المقارن بجامعة باتنة في الجزائر الدكتور الطيب بودربالة، فقد ولد ألفونس عام 1861م في باريس لعائلة برجوازية قانونية لم تمنعها جذورها الكاثوليكية المتينة، من التشبع بقيم عصر التنوير، ونزعاته الإنسانية، وهو الأمر الذي كان حاسماً في تكوين ألفونس، وتحديد اختياراته.
تأثر ألفونس خلال سنوات دراسته الأولى بإشعاعات "العصر الجميل"، وهو الاسم الذي يطلق على الفترة الممتدة بين عامي 1870-1914م والتي شهدت تحولات عميقة في مجال الفن العمراني والآداب، ما دفع بألفونس إلى إيثار "الفنون الجميلة" لتكون تخصصه الأكاديمي بعد أن أنْهَى دراسة البكالوريا.
وهكذا التحق دينيه في عام 1879م بورشة جالان لدراسة الفن، ثم أكاديمية جوليان فيما بعد، ولم ينتظر حتى يكمل دراسته لبدء حياته الفنية، بل عاجَلَ عالمَ التشكيل في باريس عام 1881م بلوحته الأولى "الأم كوتيلد"، ثم اتبعها بلوحتيه "صخرة صاموا" و"القديس جوليان الكريم"، وقد صنعت هذه الثلاثية المتأثرة بأعمال الانطباعيين كباستيان لاباج وغيره، شهرةً وتألقاً لألفونس جعلاه يطمح لنقل تجربته التشكيلية إلى آفاق أرحب.
ولتحقيق ذلك، كان عليه الانتقال من المرسم والورشة إلى الهواء الطلق، وإلى عالمٍ أكثرَ إلهاماً، وهذا ما قاده إلى الجزائر في عام 1884م، ليبدأ تفاعلاً طويلاً ومثمراً مع الشرق، انتهى به إلى إشهار إسلامه عام 1913م.
كان ألفونس متأثراً في إسلامه بالصورة الحقيقية التي وقف عليها بنفسه أثناء إقامته في الجزائر بمدينة بوسعادة، بعد أنْ تحرَّر من سلطة الاستشراق التقليدي، وصوره النمطية، إضافة إلى تأثره بصديقه الجزائري سليمان بن إبراهيم باعمر الذي وجد فيه صورة مثالية للمسلم الحق بإخلاصه، وصدقه، ومروءته.
غيَّر ألفونس اسمَه بعد الإسلام إلى ناصر الدين دينيه، ثم كرَّس حياته للدفاع عن الشرق، على ثلاثة مستويات مترابطة:
الأول: تصحيح المخيال، فأمام صورة نمطية كرَّسها الاستشراقُ التقليديُّ في المخيال الغربي، يظهر فيها الشرقُ بمثابةِ متحفٍ فلكلوريٍ يعيش خارج التاريخ، ويغدو فيه الإنسانُ الشرقيُّ مجرَّدَ موضوعٍ للبحث والدراسة، لا ذاتاً مستقلة، لها حقُ التواصل مع الآخر، ولها القدرة على الإبانة عن نفسها، وعن حضارتها. كان على ألفونس أوْ ناصر الدين أنْ يُوظِّف فنَّه لتقديم سرديَّةٍ مُضَادَّةٍ يتمثَّلُ فيها الشرقُ كما هو في ذاته، لا كما يريد الاستشراق إظهاره.
هذه التوجه لإصلاح المسار الاستشراقي عبر عنه ألفونس نظرياً بـ"تخليد الأشياء التي تخربها الحضارة"، وعكسه عملياً في أعماله الفنية التي استوحى فيها الجزائر إنساناً وثقافةً وديناً، ليبث الروح داخل نماذجه البشرية، ويبعث الحيوية والحركة والحياة داخل كينونتهم وصيرورتهم.
الثاني: الدفاع عن الإسلام، حيث حرص ألفونس المفكِّر على بيان قوة العقيدة الإسلامية، وقدرتها على الإقناع، ومخاطبة الوعي الإنساني. مشيراً إلى أن أوروبا لو عرفت الإسلام على حقيقته، لاستفادت منه فائدة كبرى، خصوصاً مع ظاهرة عودة الروح الدينية بقوة بعد الحرب العالمية الأولى، لأنَّ الإسلام يستجيب لتطلعات مختلف فئات المؤمنين.
كما دافع ألفونس عن رموز الإسلام ومقدساته، فرد في كتابه "الشرق كما يراه الغرب" الصادر عام 1922م على أطروحات الأب اليسوعي لامنس، وأطروحة الأستاذ في الكوليج دو فرانس كازانوفا "محمد ونهاية العالم". مبيناً ما في هذه الأطروحات من تهافت وتجنٍ على الإسلام ومقدساته، وعائباً على المستشرقين تجاهلهم لدور الأبعاد الروحانية والإيمانية في تحريك تاريخ الجماعات.
الثالث: الدفاع عن "العربية"، حيث نقض ألفونس التصور الاستشراقي النمطي للغة العربية باعتبارها مجموعة من اللهجات المتباعدة، ودفعهم إلى اعتماد هذه اللهجات بديلاً عن الفصحى في مستويات التواصل الرسمي والثقافي، بدعوى أنَّ الفصحى صارت لغة ميتة. مبيناً أنَّ الفروق بين اللهجات العربية طفيفة، وأنَّ الفصحى لا تزال منطوقة ومكتوبة في كل أنحاء العالم العربي، ويعتمد عليها غير العرب لفهم تعاليم الإسلام.
وأرجع ألفونسو جهل الأوروبيين بالأدب العربي إلى سوء الترجمات المنجزة في أوروبا. داعياً الجامعات الأوروبية إلى الاهتمام باللغة العربية، نظراً لكونها اللغة الوحيدة التي بقيت حية من مجموع كل اللغات القديمة.
عانى ألفونس بعد إسلامه من تهميش دوائر الثقافة والنشر في أوروبا، إذ عدَّه بعض الفنانين والأدباء الفرنسيين خائناً لبلاده، وللقيم الاستعمارية، ونتيجة لهذا الهجوم، أخذت قيمة لوحاته الفنية تتهاوى في سوق المبيعات، وقلَّ الإقبال عليها، ورغم هذا الهجوم ثبت ألفونس وظلَّ وفياً لمبادئه.
توَّجَ ألفونس حياته مسلماً برحلة إلى مكة المكرمة لأداء فريضة الحج عام 1929م، والتقى خلال الرحلة ملك المملكة العربية السعودية حينها الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، في حفل استقبال أقامه الملك لشخصيات العالم الإسلامي. وقد أعجب ألفونس بشخصية الملك، وكتب عنه "ابن السعود ملك جِدُّ قوي، نشعر بهذا الانطباع بمجرد رؤيته".   
بعد عودته من الحج، وتحديداً في 25 ديسمبر 1929م توفي ألفونس في باريس، ونزولاً عند وصيته، نُقِل جثمانه إلى مدينة بو سعادة، ليدفن يوم 12 يناير 1930م بحضور الرسميين وممثلي جمعية العلماء المسلمين، طاوياً بذلك صفحة مضيئة من تاريخ الاستشراق الفرنسي.
لويس ماسينيون (1883-1962م).. آخر مريدي "الحلاج"
ربما ظنَّ لويس ماسينيون لوهلة، أنَّ المتصوف الإسلامي الحسين بن منصور الحلاج (858-909م) إنما كان يقصده عندما قال في طواسينه: "هناك سِرِّي وذي الطريقة"، فهو وحده دون غيره في باريس القرن العشرين، الموكَّل بتتبع طريقة الحلَّاج في بغداد القرن التاسع، لفكِّ مغاليق أسراره، ورموز شطحاته.
ماسينيون الذي حصل على البكالوريا في الآداب والفلسفة، بدأت علاقته بالشرق والإسلام عندما زار الجزائر في عام 1901م، أما اهتمامه بالعربية، فبدأ من حادثة شخصية، حين ارتحل إلى المغرب عام 1904م من أجل دراسة طوائف وجماعات فاس، حيث تعرضت قافلته للهجوم، ونهبت، بعد أنْ تآمر عليه مرافقه ومترجمه العربي، الذي تحدث بالعربية مع اللصوص دون أنْ يفهم ماسينيون ما يدور بينهم، وبعد أنْ اتضحت له الخديعة، وشعر أنه كاد يفقد حياته، جرَّاء جهله باللغة العربية، قرَّر منذ ذلك اليوم تعلُّم العربية وإتقانها.
ويظهر الإصدار الخاص بماسينيون، الذي أعدَّه أستاذ اللغات الحديثة في جامعة اليرموك بالأردن الدكتور ايلي الربضي، تركيز ماسينيون على التصوف عموماً، والحلاج خصوصاً في دراساته الأكاديمية، حيث كان الأخير موضوع أطروحته للدكتوراه.
صدرت الأطروحة أول مرة في عام 1922م بعنوان "آلام الحلاج شهيد التصوف الإسلامي"، وبعد نفاد الطبعة الأولى عام 1935م، أعاد ماسينيون صياغة الكتاب ليتضمَّن في طبعته الجديدة إضافاتٍ تتعلَّق بحياة الحلاج، وانتقاله من "نظام السرية" الذي خضع له أتباع الصوفية الآخرون، إلى "المبشِّر الجوال" الذي يجاهر بحقائق الخواص لدى العوام، ويفضي بفتوحات الكشف لأهل الظاهر، كما تضمنت الطبعة الجديدة عرضاً لمذهب الحلاج الصوفي في إطار علم الكلام في زمانه، إلى جانب فهرس جامع للمصادر القديمة والحديثة المتعلقة بالحلاج.
لقد كانت المرحلة الحلاجية التي شهدت انحراف مسار التصوف من الزهد إلى التركيب الفلسفي القائم على الاتحاد ووحدة الوجود، هي الإطار الذي تركزت فيه أعمال ماسينيون التي غدت بعد ذلك مهيمنة على مجمل الدراسات اللاحقة في حقل التصوف الإسلامي.
اهتمَّ ماسينيون أيضاً بعلوم العربية، فقدَّم بحوثاً عديدة دعا فيها إلى جمع المصطلحات العلمية والفنية في التراث العربي والإسلامي، كما كان مبهوراً بالنحو العربي، ويرى فيه عبقرية جعلته ذا أثر في النحو العبري وغيره، وكان يرى أنَّه لا يجدر بالعرب الاستجابة لدعوة البعض الذين يريدون إحلال نحو أوروبي مكان العربي، لتيسير تعليمه، وأنه لا يصح مطلقاً التعديل في أصول النحو.
على المستوى السياسي، كان ماسينيون متذبذباً بين دوره كخبير لدى الدوائر الإمبريالية في بلاده، حيث نجده مستشاراً لمندوب وزير الخارجية الفرنسي جورج بيكو في اتفاقية سايكس بيكو 1916م التي قسَّمت المشرق العربي "العراق والشام" بين بريطانيا وفرنسا، وبين مفكر يريد إظهار نفسه بمظهر المستقل، وهنا نجده ينأى بنفسه عن سياسات بلاده في بعض القضايا، كما هو الحال في قضية فلسطين، التي أبدى تعاطفه معها، ودانَ صراحة الحركة الصهيونية.  
ريجيس بلاشير (1900-1973م).. مؤرخ "المتنبي"
 كان الإصدار الخاص ببلاشير من إعداد الناقد التونسي الراحل حسين الواد، ولا عجب فبين الرجلين قاسم مشترك هو شاعر العربية أبو الطيب المتنبي، الذي كان الموضوع الرئيس لأطروحتيهما للدكتوراه، بلاشير في "شاعر القرن الرابع للهجرة، أبو الطيب المتنبي: (محاولة في تاريخ الأدب)"، والواد في "التعامل مع الأدب من خلال ما أُلَِفَ عن شعر المتنبي في القديم من القرن الرابع إلى القرن الحادي عشر هجرياً" (طبعت بعد ذلك بعنوان: "المتنبي والتجربة الجمالية عند العرب").
بلاشير الذي درس العربية في المغرب والجزائر، تركزت أعماله في ثلاثة مجالات، هي: دراسات في الأدب العربي نصوصاً وأعلاماً والتاريخ له، والدراسات الإسلامية، وتصنيفات في اللغة العربية نحواً ومعاجم وكيفية ترجمتها.
على مستوى الأدب العربي تبرز دراستان رائدتان لبلاشير:
الأولى: رسالته عن أبي الطيب المتنبي عام 1935م التي طبق فيها المنهج التاريخي، فوقف أولاً على الخلافة العباسية في أوائل القرن الرابع للهجرة، فقدم عنها لمحة تاريخية اهتم فيها بالسياسة والدين والاجتماع والأدب، مع عناية خاصة بمدينة الكوفة، باعتبارها مسقط حياة الشاعر. ثم تتبع سيرة أبي الطيب فبحث في أصوله ونسبه ورحلته إلى بادية السماوة للتضلع من العربية، كما بحث فيما زعمه تشيعاً من المتنبي للقرامطة، وادعائه النبوة، وتنقله بين الرؤساء والأمراء مادحاً، ومستعطياً، وطالباً الولاية والجاه.
كان بلاشير في كل ذلك حريصاً على تعقب الوثائق وتناولها بالنقد والتمحيص والترجيح، مع اعتماد كبير على ديوان الشاعر، منزلاً قصائده في الأوساط السياسية والثقافية التي كان قد حل بها، وقالها فيها.
وتباينت المواقف داخل الثقافة العربية في تلقي أطروحة بلاشير عن المتنبي، فبينما تابع الدكتور طه حسين في كتابه "مع المتنبي" القول بقرمطية المتنبي، الذي وضع بلاشير أصوله في أطروحته، نجد محمود شاكر يقف من هذه المسألة موقف المرتاب ويفندها في رد طويل على طه حسين نشر ملحقاً بكتابه "المتنبي".
ومهما يكن الرأي في قيمة أطروحة بلاشير عن المتنبي، فقد كان لهذه الأطروحة فضل كبير في تعرف المستشرقين إلى شاعر عربي قديم، ارتقى بفنه إلى مصاف كبار الشعراء العالميين، فكان خلاصة من خلاصات الشعر العربي القديم، وسراً من أسراره.
الثانية: محاولته لتقديم تاريخ شامل للأدب العربي في كتابه "تاريخ الأدب العربي من بدايته إلى غاية القرن الخامس عشر ميلادياً" عام 1952م، الذي سعى فيه إلى الخروج عن المناهج التقليدية المتبعة في كتب تأريخ الأدب العربي، فخالفها أولاً حين رفض كُلَّ تعريف موسع للأدب تجتمع تحته جميع المؤلفات الأدبية وغير الأدبية، مشدداً في هذا المقام على أن لفظة "أدب" لا تعني مجمل الآثار المكتوبة في اللغة العربية، من شعر ونثر وكلام وفلسفة فقه، وإنما تتركز كلمة الأدب على الآثار ذات القصد الفني، التي لا تتكشَّف عن مدلولها ومفعولها إلا بعد تحليلٍ كاملٍ وبديعي للشكل.
وقد كان لهذا التحديد أثرٌ بارزٌ في تضييق مجال البحث في تاريخ الأدب وحصره في التحولات التي تطرأ على هذا النوع الفني من نشاط البشر.
اختلف بلاشير أيضاً مع كتب تاريخ الأدب في تحديد العصور الأدبية، فإذا كان مؤرخو الأدب العربي، قد دأبوا على الأخذ فيه بالعصور السياسية (جاهلي-إسلامي-أموي-عباسي...)، وعدوها صالحة لأن تكون عصوراً أدبية، فإن بلاشير لم يرَ هذا التقسيم وجيهاً، لافتاً إلى أنه من الصعب أنْ نرى في التحولات السياسية من عصر لآخر، أثراً مباشراً وآنياً في الأدب، يمكن الاعتداد به فاصلاً بين عصوره التاريخية. ولهذا فضل بدلاً من ذلك الاعتماد على مفهومي "الأجيال" و"المراكز الحضارية" لتقديم تحقيب شامل للأدب العربي.
كان بلاشير يطمح إلى مد مشروعه التأريخي إلى العصر الحاضر، لكنه وقف عند القرن التاسع للهجرة (الخامس عشر للميلاد)، معتبراً أن إبداع النصوص بعد هذا التاريخ لم يشهد أي تحولات تستحق التدوين!
على مستوى الدراسات الإسلامية، ألف بلاشير عدة كتب منها "مدخل إلى القرآن" عام 1947م، و"على خطى محمد" 1956م، إضافة إلى ترجمة لمعاني القرآن الكريم عام 1950م. هذه الدراسات أقل قيمة من دراساته الأدبية، وقد تباين تلقيها، فبينما رأى فيها بعض الباحثين محاولات أصيلة لفهم الإسلام، اعتبرها كثيرون امتداداً لخط الاستشراق التقليدي في تقديم صورة مشوشة ومرتبكة عن الإسلام.
في الدراسات العربية، قدَّم بلاشير دراسات مهمة مثل "نحو العربية الفصحى" عام 1973م، و"عناصر اللغة العربية الفصحى" عام 1939م، كما اعتنى بعلم الدلالة وأصول اللغة وطرق جمعها وأسهم في نشر معجم عربي فرنسي إنجليزي.
دونيز ماسون (1901-1994م).. حوار أديان وترجمة معتمدة "أزهرياً"
رغم أن هذه المستشرقة غير معروفة في الأوساط الثقافية العربية، كما يشير إلى ذلك الأستاذ المحاضر بجامعة باريس الثامنة الهواري غزالي، في الإصدار الخاص بماسون، إلا أنها من أهم أسماء الاستشراق النسائي التي كان لها أثر بارز في التواصل الفعال مع الثقافة العربية.
احتكت ماسون في وقت مبكر من عمرها بالشرق، وذلك حين انتقلت بصحبة والديها عام 1912م إلى الجزائر، حيث أتاح لها هذا الانتقال التعرف إلى الثقافة العربية، ومعايشة الإسلام عن قرب.
انشغلت ماسون بين عامي 1925-1930م بالتمريض، حيث تم تعيينها سنة 1930م مديرة للمصالح الاستشفائية لمعالجة داء السل بالمدينة القديمة مراكش، قبل أن تنسحب نهائياً في العام نفسه من عالم التمريض لتتفرغ نهائياً لعالم الدراسات والبحث في موضوع المفارقات بين الديانات التوحيدية الثلاث وتقاطعها.
أولت ماسون عناية خاصة بموضوع الحوار بين الأديان، مؤكدة على نقاط التوافق الممكنة، والمؤسسة لحقيقة التصورات الثلاث للديانة التوحيدية، ومشددة على مبدأ "الوحي" في مفهوم الإسلام، بما يتضمن رفض المنهج التاريخي الذي ساد تعامل الاستشراق التقليدي مع الإسلام.
ويعد من أهم منجزات ماسون ترجمتها لمعاني القرآن الكريم التي صدرت سنة 1967م عن دار غاليمار للنشر بباريس، وقد حظيت هذه الترجمة باعتماد جامعة الأزهر، نظراً لأصالتها وتميزها.
وإلى جانب هؤلاء المستشرقين الأربعة الذين عرضنا لهم بتفصيل، تناولت باقي الإصدارات مستشرقين لا يقلون أهمية من قبيل جان سوفاجيه (1901-1950م) الذي عني بتاريخ المشرق العربي، وكانت أطروحته للدكتوراه عن مدينة حلب، وهي الأطروحة التي ابتدع فيها منهجاً تاريخياً جديداً يقوم على دراسة الصروح الأثرية والنقوش المكتوبة على جدران القصور والقلاع والمساجد، والأضرحة والقبور، واعتماد المصادر التاريخية المحلية بعد نقدها نقداً علمياً.
أيضاً هناك جاك بيرك (1910-1995م) الذي ولد في الجزائر وعايش المجتمع العربي لغة وثقافة، وكان عمله الرئيس محاولة ترجمة القرآن الذي بدأ سنة 1974م ونشر في 1990م، وفيه يكشف عن فهم عميق للإسلام، وهو الفهم الذي انعكس على حياة بيرك حباً وتعلقاً حتى إنه طلب في وصيته أن تقرأ سورة الفاتحة على قبره.
كذلك هناك شارل بيلا (1914-1992م) الذي عرف باهتمامه بالجاحظ وأدبه وفكره، كما عرف بكونه "صانع الدكاترة" وهو اللقب الذي أطلق عليه في جامعة السوربون التي قضى معظم حياته المهنية مدرساً فيها ومشرفاً على رسائل طلبتها الجامعية.
ويعد هؤلاء جميعاً وغيرهم حلقة ممتدَّة في تواصل فعَّال يعتمد على التثاقف والحوار بين الشرق والغرب، أرادت من خلاله جائزة الملك فيصل تكريس هذا الحوار، واعتماده خارطة طريق في برنامج اليوبيل الذهبي لمنظمة التعاون الإسلامي الطامحة بعد خمسين عاماً من تأسيسها، لعالم يسوده فهم الآخر، واحترام سياقاته التاريخية والحضارية.
(انتهى)
الزبير الأنصاري/ ح ص
جميع الحقوق © محفوظة لاتحاد وكالات أنباء دول منظمة التعاون الإسلامي