الثلاثاء 10 جمادى الثانية 1441 - 18:19 بتوقيت مكة المكرمة الموافق 4-2-2020
(يونا)
زغرب (يونا) - عمد الأمين العام للمجلس العالمي للمجتمعات المسلمة الدكتور محمد البشاري إلى رسم خارطة طريق علمية وعملية لترسيخ قيم التسامح كأحد أهم أعمدة الأخوة الإنسانية، وأبرز أسس التنوع الثقافي والحضاري، وذلك خلال ورقته البحثية (التسامح عماد الأخوة الإنسانية وأساس التنوع) اليوم على مائدة مؤتمر "الأخوة الإنسانية لتعزيز الأمن والسلام." في العاصمة الكرواتية زغرب الذي تنظمه رابطة العالم الإسلامي بالتعاون مع المشيخة الإسلامية في كرواتيا والأبرشية الكرواتية برعاية الرئيسة الكرواتية وحضور مفتي دول البلقان ورؤساء المشيخات والمجالس الإسلامية في أوروبا الشرقية والفاتيكان.
وقال البشاري: إن صور التعدد والاختلاف في المجتمعات من حيث الدين والثقافة وغيرهما، ما هو إلا أساس قام عليه خلق الكون، وسنة وجودية بحكمة بالغة من الحق جل وعلا، وقد شاء الله بناء الجمع الكوني على هذا الأساس الذي لا يمكن تصور الكون دونه، وهناك آيات عدة في الكتاب الكريم تؤكد ذلك وتدعو إلى قيمه بل وتؤصلها.

بين التسامح والتعدد
التسامح لغةً هو العطاء والكرم، فينشأ التسامح من وعي دافع للاعتراف بالآخر، دون الانكباب على نوازع التعالي، بل تسامح ينم عن اعتراف نابع من عقيدة التفوق الثقافي، كما يبدأ التسامح حين تترسخ عقيدة الإيمان بأفراد البشرية جمعاء، ابتداءً من الحلقة الأضعف، كما يعزز ويدعم ذلك الحوار الذي ينتج معرفة متفتحة، تبنى عليها عقلانية العلاقات، وبذلك يكون التسامح مفهوماً حوارياً متبادلاً ولغة معمقة تحترم الرأي الآخر لتكون علاقة التسامح بالحوار طردية، فلا يمكن أن يكون حوار بلا تسامح ولا تسامح منزوع الحوار.
وقد تناولت الشريعة وصف هذا الخُلُق الرحيم بأنه حنيفية سمحة، حنيفيةٌ في التوحيد، سمحة في العمل، يقول عليه الصلاة والسلام "بعثت بالحنيفية السمحة"، أما في محكم التنزيل، فقد عبر القرآن الكريم عن عن التسامح من خلال أربع مصطلحات هي (العفو والصفح والغفران والإحسان)، وجميعها ألوان متقاربة تعبّر عن التسامح الذي يعلو العدل في المنزلة.
ذلك أن التسامح ينشأ من وعي دافع للاعتراف بالآخر، دون الانكباب على نوازع التعالي، بل تسامح ينم عن اعتراف نابع من عقيدة التفوق الثقافي، كما يبدأ التسامح حين تترسخ عقيدة الإيمان بأفراد البشرية جمعاء، ابتداء من الحلقة الأضعف، كما يعزز ويدعم ذلك الحوار الذي ينتج معرفة متفتحة، تبنى عليها عقلانية العلاقات، وبذلك يكون التسامح مفهوماً حوارياً متبادلاً ولغة معمقة تحترم الرأي الآخر لتكون علاقة التسامح بالحوار طردية، فلا يمكن أن يكون حوار بلا تسامح ولا تسامح منزوع الحوار. 

وأما بما يخص التعددية، فإنها تضم معنى التأكيد والإقرار والتسليم بوجود عالم جمعي مختلف، وقد صارت إحدى ثوابت آلية الحياة المعاصرة. والكيفية التي تحكم ماهية التعامل والتفاعل معها، سيشكل لاحقاً بلورة الملكية الذاتية والاحترام والتسامح والحوار والمرونة في طبيعة الحوار مع الآخر وتقبله والتعايش معه. وتعبر الاختلافات أو التعددات متشعبة الوجود، فهي في الهويات الثقافية، والبرامج الاقتصادية، والاعتقادات الدينية، والتجمعات الاثنية، والأنظمة السياسية، وغيرها الكثير.
ترسيخ الأخوة الإنسانية
وأوضح البشاري أن تعزيز مقومات التسامح ما هو إلا نتيجة حقيقية لتجسيد قيم المواطنة الكاملة، وتعزيز الهوية الوطنية، وخاصة "أن الاختلاف أمر طبيعي حاله حال التسامح، بل يمكن تحويله إلى ثقافة منتجة وإيجابية، إذا انطلق الحوار من الثوابت المشتركة لا من نقاط الخلاف، ومن هنا برزت حتمية الاتحاد بهدف القضاء على وباء التعصب، واختلاق "الفضلات الفكرية" التي تقلب موازين الخير إلى الشر وتهول من وجود التعدديات، وهذا ما يدفع نحو مكافحة التعصب بكافة الإمكانات والإجراءات المتاحة.
 
  السياق العالمي
 وأكد البشاري أنه لابد من التنبه لركيزة "التسامح"، ذلك أنها غير معوزة لإيجاد أو صنع، فهي عماد انبثق مع كل الديانات السماوية، وإعلان للتطور والازدهار أينما وجدت، لتخرج للعالم في الإعلانات العالمية، والتشريعات الوطنية والدولية، وتتربع على واجهة المواثيق، وبرزت الجهود في خدمة هذا الأساس الرصين، و منها الكثير ك إعلان مراكش، ووثيقة مكة، ورسالة عمان، وإعلان قمة الملك محمد السادس مع بابا الفاتيكان، ووثيقة الأخوة الإنسانية.
  التحديات والحلول
وأوضح الأمين العام للمجلس العالمي للمجتمعات المسلمة أن قيمة التسامح، تواجه كغيرها من الفضائل والقيم الحسنة، موجة من التحديات، وخاصة في ظل اندلاع نار النزاعات والصراعات القائمة على أساس اجتماعي أوديني أو ثقافي، لتمتد بفتلها وتظهر بهيئة صراعات طاحنة مسلحة، جائرة على الكثير من الفئات المسالمة، ومعتدية على العديد من حقوق الإنسان الأساسية، ولذا يبرز عامل التخلف والإغراق في الجهل والانسياق وراء دوافع الثأر وإهمال الانفتاح الثقافي، كأحد أبرز وأهم معوقات مشروع التسامح العالمي، وتغذية التعصب والكراهية، وما يمتد منهما من آفات، مشيراً إلى أن للمؤسسات دورا كبيرا في تفعيل وطرح فرص التسامح كالمؤسسات العشائرية والدينية، ما يؤدي لإلغاء الجهل بالنصوص السماوية، التي ترسخ قيم ضرورة العودة إلى احترام الإنسان كإنسان، حيث يذوب كل التمايز الجنسي والعرقي والثقافي، بانياً المجتمع على الوعي بأن الاختلاف حق وثقافة وثروة.

وأكد البشاري أن مكافحة التعصّب ونشر قيم التسامح تستدعي صحوة حقيقية في مجال التعليم، كما أن تشريع القوانين ضروري لكنه ليس كافً لمواجهة التعصب، وللوصول لبناء التسامح عبر التعليم بالنجاح يجب أن تغطي كافة الشرائح العمرية وتوزيع أنشطتها لتغطي كل مكان من المنزل والمدارس، لافتاً إلى أن ثقافة التسامح من أهم أفرع الثقافات التي لا بد من تعميم خيرها في بقاع الأرض، وبذلك تصل المنظومة الفكرية للمجتمعات.
وأوضح الأمين العام للمجلس العالمي للمجتمعات المسلمة أنه بخصوص "دماغ المجتمع" من العلماء والمفكرين، فلابد من تكثيف العمل على البحوث التي تتناول مجالات الأخوة الإنسانية وقيم التعايش والسلم المجتمعي من ناحيتها التطبيقية والنظرية، مؤكداً على أهمية توظيف الإعلام المرئي والمسموع لتجسيد مفهوم المواطنة الصالحة، وترسيخ الوحدة الوطنية القائمة على العيش المشترك، وتوجيه البرامج التربوية والثقافية في إطار تعزيز مبادئ المواطنة وتثبيت قيمها في أذهان النشء، والعمل على إبراز القيم الإسلامي الداعمة لمبدأ المواطنة.
((انتهى))
ح ع/ ح ص
 

 
جميع الحقوق © محفوظة لاتحاد وكالات أنباء دول منظمة التعاون الإسلامي