الخميس 04 ذو القعدة 1441 - 11:26 بتوقيت مكة المكرمة الموافق 25-6-2020
نور سلطان (يونا) -  تحتفي كازاخستان، حكومة وشعباً، في السادس من يوليو المقبل بزعيم البلاد ورئيسها الأول نور سلطان نزارباييف، الذي تخلى عن السلطة العام الماضي، صانعاً انتقالاً سلساً إلى الرئيس الحالي قاسم جومارات توكاييف.
يأتي احتفال كازاخستان بنزارباييف في مناسبة بلوغه الثمانين من العمر، قضى جلها في خدمة بلاده حيث نزارباييف، مؤسس واحدة من أعرق الدول الإسلامية وأكبرها مساحة في حركتها من أجل الاستقلال، التي أسفرت عن استقلال البلاد عن الاتحاد السوفياتي في عام 1991.

قدم نزارباييف نموذجاً متميزاً لـ أكبر دولة في آسيا الوسطى ما بعد السوفييتية. كقائد، نجح في تلبية العديد من صفات القادة الكاريزميين، مثل ترسيخ القيم، وتقديم التضحيات، وتحديد الأهداف. كقائد مؤسس للأمة، يحافظ على كيان الدولة كأولوية قصوى ويلبي متطلبات بناء الأمة نجح في الانتقال من الاقتصاد الاشتراكي إلى نموذج اقتصاد السوق الحرة، وتكييفه بسرعة مع المجتمع العالمي، وتبنى شعار "الاقتصاد يأتي أولاً".  
اعتبر الرئيس الأول لكازاخستان دعم العلاقات الودية مع العالم الإسلامي إحدى الركائز الأساسية للسياسة الخارجية لكازاخستان من خلال تعزيز مُثل ومبادئ وأهداف الأمة الإسلامية.
ارتبط تاريخ كازاخستان ارتباطًا وثيقًا بالإسلام لقرون طويلة أصبح خلالها أحد المصادر الأساسية لتشكيل روحانية وثقافة مميزة للشعب الكازاخستاني. وشارك أسلاف الكازاخستانيين بشكل مباشر في إنشاء الحضارة الإسلامية وشاركوا في العديد من إنجازاتها.
بعد نيل الاستقلال أصر نزارباييف على مواصلة السير على خطى أسلافه، بالتمسك بالجذور الدينية والروحية والحضارية من خلال نشر الطبيعة السلمية للإسلام. وهكذا، مكن دعمه من إنشاء الإدارة الدينية الإسلامية كازاخستان، والمؤسسات التعليمية الإسلامية الجديدة، بما في ذلك مؤسسات التعليم العالي، مثل جامعة خوجة أحمد يساوي، وكذلك الجامعة الكازاخستانية المصرية للثقافة الإسلامية التي تقوم عليها مجموعة من خيرة علماء جامعة الأزهر.
وفي أوائل التسعينات بنى حوالي 60 مسجدًا في كازاخستان، فقد ارتفع هذا العدد في عام 2019 إلى 2592 مسجدًا. وذلك بمساعدة الدول الإسلامية، مثل المملكة العربية السعودية ومصر والإمارات العربية المتحدة وعمان والكويت وغيرها.

بعد أن ثبتت كازاخستان أقدامها وأصبحت جزءًا من العالم الإسلامي، بدأ نزارباييف إجراءات لتعزيز مصالح الأمة الإسلامية على المستوى العالمي، في إطار الجهود الكبيرة المبذولة في إطار منظمة التعاون الإسلامي. أطلق نزارباييف أكثر من عشر مبادرات عالمية استهدف خير جميع الدول الأعضاء في المنظمة في مختلف الميادين، تم تنفيذ خمس مبادرات بالفعل منها، والبقية قيد التنفيذ.
وقد حظي النشاط البناء لكازاخستان بردود فعل إيجابية خلال رئاستها للدورة الثامنة والثلاثين لمجلس وزراء خارجية منظمة التعاون الإسلامي في 2011-2012، وبرعاية كازاخستان، تكثفت أنشطة هيئات منظمة التعاون الإسلامي بشكل ملحوظ. وهكذا، فخلال رئاسة المنظمة، بدأ نزارباييف إنشاء المنظمة الإسلامية للأمن الغذائي (IOFS) ، ومقرها في نور سلطان. وتتمثل مهمتها الاستراتيجية في ضمان الأمن الغذائي المستدام في الدول الأعضاء في المنظمة من خلال التنمية الاجتماعية والاقتصادية والترويج المنهجي للاستثمارات المتعلقة بالزراعة، وكذلك التجارة والعلوم والتكنولوجيا.
تلقت هذه المبادرة دعما قويا من الدول الأعضاء واليوم، انضمت 34 دولة من 56 عضوا في منظمة التعاون الإسلامي إلى المنظمة خلال الدورة الثانية للجمعية العامة لها، المنعقدة في أغسطس 2019 في السعودية، وقد دعم خادم الحرمين الشريفين، الملك سلمان بن عبد العزيز هذه المبادرة وقرر تخصيص 2 مليون دولار للمساعدة في التنمية المؤسسية المنظمة.

أولى الرئيس الأول لكازاخستان اهتمامًا كبيرًا بأهمية تطوير العلوم والتكنولوجيا في البلدان الإسلامية. وهذه المجالات مدرجة الآن على جدول الأعمال لأن التقدم الحقيقي للبشرية يعتمد في الواقع على القدرة التنافسية للبلدان في هذا الاتجاه.
آمن نزارباييف أن المجتمع الإسلامي يتطلب مناخًا من السلام والتحديث والتطوير العلمي والتكنولوجي والتعليم. فأكد على ضرورة تنفيذ البرامج التجارية والاستثمارية والتكنولوجية والاجتماعية والتعليمية النشطة، بحيث أن يظهر التضامن الإسلامي كمبدأ رئيس لمنظمة التعاون الإسلامي.
ونبه نزارباييف إلى خلل خطير في التنمية بين دول المنظمة، مشيراً إلى أن نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بين معظم البلدان وأقل البلدان نمواً يختلف بأكثر من 100 مرة. وفي الوقت نفسه، أكد بحق أن دول المنظمة تسيطر على 70٪ من موارد الطاقة في العالم، لكنها تمثل فقط 7.5٪ من الناتج المحلي الإجمالي العالمي و11٪ من التجارة العالمية.
في هذا الصدد، عقدت كازاخستان، بمبادرة من رئيسها الأول، قمة المنظمة الأولى حول العلوم والتكنولوجيا في سبتمبر 2017 في نور سلطان. لتحديد الأولويات والأهداف والغايات لتعزيز التعليم والعلوم والتكنولوجيا والابتكار في العالم الإسلامي. كانت إحدى النتائج الحاسمة للقمة هي التوقيع على إعلان أستانا وخطة عمل المنظمة حتى عام 2026 ، التي تهدف إلى تحقيق أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة وتعزيز التعاون بين الدول الإسلامية في مجال العلوم والتكنولوجيا والتعليم.
وركز نزارباييف على أهمية دعم أبحاث العلماء في البلدان الإسلامية. وفي هذا الصدد، شرع في إنشاء جائزة منظمة التعاون الإسلامي الخاصة للمساهمة في تطوير العلوم والتكنولوجيا.
وضعت القمة الأساس لتشكيل جدول الأعمال في مجال العلوم والتكنولوجيا، وكذلك تنفيذ المبادرة الجديدة للرئيس الأول لكازاخستان - لإنشاء "منصة الحوار OIC-15"، وتوحيد 15 دولة إسلامية رائدة في مجال العلم والتكنولوجيا لمواصلة التحديث والتقدم العلمي والتكنولوجي في العالم الإسلامي بما في ذلك حل أهم القضايا العلمية والاقتصادية.
قدم نزارباييف مساهمة أساسية في تعزيز التمويل الإسلامي في المنطقة الأوراسية أيضًا. وبدعمه، تعمل البنوك الإسلامية بنشاط في كازاخستان، كما تتوسع أنشطة البنك الإسلامي للتنمية عامًا بعد عام. وتم إنشاء مركز "أستانا" المالي الدولي ليحوله إلى مركز إقليمي للتمويل الإسلامي.
هناك أيضًا أنشطة لتطوير برنامج استراتيجي - التكامل الإسلامي للبنية التحتية، يهدف إلى دمج أنظمة النقل والخدمات اللوجستية في دول المنظمة من خلال دمج برامج التنمية الخاصة للبنك الإسلامي للتنمية في آسيا الوسطى وأفريقيا والشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

 كما ساهم نزاربييف في دعم جهود مكافحة "الإسلاموفوبيا"، وربط الإسلام بالإرهاب، بالإضافة إلى ضعف التضامن في العالم الإسلامي. معربا عن بالغ قلقه إزاء الوضع في العالم الإسلامي، وأعلن عن إطلاق عملية التقارب التاريخية في العالم الإسلامي في أبريل 2016، خلال قمة اسطنبول لمنظمة التعاون الإسلامي. داعياً إلى تطوير مفهوم "مبادرة التقارب الإسلامي" كمنصة سياسية للعمل المشترك في المستقبل. صُممت هذه المبادرة كنموذج جديد للعلاقات في العالم الإسلامي فيما يتعلق بالعلاقات بين الدول وستساهم كذلك في حل النزاعات والخلافات.
ورفض نزارباييف مرارًا وتكرارًا ربط الإرهاب بالجوهر السلمي للإسلام والأديان الأخرى. وهكذا، في عام 2016، في مقر الأمم المتحدة، كازاخستان، بمبادرة من الرئيس نزارباييف، وإلى جانب الأردن، شاركت في تنظيم محادثة الجمعية العامة رفيعة المستوى حول "الأديان من أجل السلام".
وفي عام 2008 استضافت عاصمة كازاخستان، لأول مرة، مؤتمرا على مستوى وزراء الخارجية تحت عنوان "العالم الإسلامي والغرب". جمع أكثر من 60 ممثلاً عن الحكومات والمنظمات الدولية لإجراء حوار لتعميق التفاهم المتبادل بين الغرب ودول الأمة.
ومساهمة من الرئيس الأول لكازاخستان عقد المؤتمر الدولي "الأديان ضد الإرهاب" في عام 2016 في نور سلطان. حيث أصدر المشاركون بيانا دعا المجتمع الدولي إلى توحيد القوى في الحرب ضد الإرهاب، وأعربوا عن أملهم في أن يجد الحوار البناء بين البرلمانيين والزعماء الدينيين استمراره الجدير بالاهتمام. كما دعم المنتدى مبادرة نور سلطان نزارباييف لإنشاء تحالف عالمي لمكافحة الإرهاب تحت رعاية الأمم المتحدة وتبني وثيقة شاملة للأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب. علاوة على ذلك، دعا المندوبون المجتمع الدولي إلى دعم بيان الرئيس الأول لكازاخستان "العالم. القرن الحادي والعشرون"، اقتراح استراتيجية عالمية للعمل المنسق والمسؤول من جانب البلدان لتدمير فيروس الحرب والصراع.

نتيجة لجهود نزارباييف لمكافحة الإرهاب، عقد في عام 2018، حفل التوقيع على مدونة قواعد السلوك من أجل تحقيق عالم خال من الإرهاب في مقر الأمم المتحدة. وتم تطوير هذه الوثيقة كجزء من مبادرة الرئيس الأول لكازاخستان التي تم الإعلان عنها في سبتمبر 2015 خلال الدورة السبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة.
في 19 مارس 2019، اتخذ نزارباييف قرارًا تاريخيًا وأعلن استقالته من منصب رئيس كازاخستان، التزاماً بما قطعه على نفسه بضمان الوصول السلمي إلى السلطة من خلال جيل جديد من القادة الذين سيواصلون الإصلاحات الجارية في البلاد.
 ووفقاً لدستور البلاد فقد تم نقل منصب رئيس البلاد إلى رئيس مجلس الشيوخ في برلمان كازاخستان قاسم جومارت توكاييف، الذي خاض الانتخابات الرئاسية المبكرة في 9 يونيو 2019 وحصل على 70.96٪ من الأصوات ليفوز برئاسة البلاد ويعلن عن استمرار المسار الاستراتيجي لسلفه نزارباييف.
((انتهى))
حازم عبده/ ح ص
جميع الحقوق © محفوظة لاتحاد وكالات أنباء دول منظمة التعاون الإسلامي